محمد جمال الدين القاسمي

28

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم قرن لقمان ، بوصيته إياه بعبادة اللّه وحده ، البرّ بالوالدين ، كما قال تعالى وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] ، وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن الكريم . وقال هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أي بالإحسان إليهما ، لا سيما الوالدة . لأنه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي ضعفا فوق ضعف إلى الولادة . و ( وهنا ) حال من ( أمه ) أي ذات وهن . أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال . أي : تهن وهنا . وقوله عَلى وَهْنٍ صفة للمصدر . أي كائنا على وهن . أي تضعف ضعفا فوق ضعف . فإنها لا تزال يتزايد ضعفها . لأن الحمل كلما عظم ازدادت ثقلا وضعفا وَفِصالُهُ أي فطامه فِي عامَيْنِ ثم فسّر الوصية بقوله سبحانه أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ أي بأن تعرف نعمة الإحسان وتقدره قدره . قال في ( البصائر ) : الشكر مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور . وحبه له . واعترافه بنعمته . والثناء عليه بها . وأن لا يستعملها فيما يكره . هذه الخمسة هي أساس الشكر وبناؤه عليها . فإن عدم منها واحدة ، اختلّت قاعدة من قواعد الشكر . وكل من تكلم في الشكر ، فإن كلامه إليها يرجع وعليها يدور . انتهي . وقوله تعالى إِلَيَّ الْمَصِيرُ تعليل لوجوب الامتثال . أي إليّ الرجوع ، لا إلى غيري ، فأجازيك على ما صدر عنك من الشكر والكفر . تنبيهات الأول - قال الزمخشريّ : فإن قلت : قوله تعالى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ كيف اعترض به بين المفسر والمفسر ؟ قلت : لما وصى بالوالدين ، ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا ، وتذكيرا بحقها العظيم مفردا .